استراتيجية تنمية محاصيل الحبوب خلال الفترة 2010 : 2030

أ.د. عبد السلام أحمد جمعة

 

مقدمة :

تعتبر الزراعة في مصر هي الدعامة الأساسية للبنيان الاقتصادي والاجتماعي حيث تسهم بنصيب كبير في إحداث التنمية الشاملة وفي النهوض بالمجتمع وتزداد أهميتها باعتبارها  مهنة يرتبط بها وبأنشطتها المختلفة أكثر من نصف عدد السكان سواء في النشاط الإنتاجي والتسويقي و التصنيعي للزراعة .

وتتعاظم أهمية الزراعة في الوقت الراهن نظرا لوجود فجوة غذائية لا زالت كبيرة ومؤثرة في الاقتصاد القومي في محاصيل الحبوب الرئيسية خاصة القمح والذرة الصفراء مما يجعل قضية تأمين الغذاء من أهم الأولويات التي يجب الاهتمام بها والعمل دوما علي تضييق تلك الفجوة وتحجيمها بل أن طموحات المجتمع أصبحت لا تقنع إلا بتحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح باعتباره النمط الغذائي الشعبي السائد ولا يتأتى ذلك إلا من خلال تحقيق أقصى كفاءة إنتاجية وأكبر معدل تنمية للموارد الزراعية المتاحة حاليا أو تلك التي يجب إتاحتها مستقبلا سواء من المساحة الأرضية ومياه الري اللازمة لتحقيق الأمن الغذائي من مجموعة الحبوب عامة ومن القمح خاصة.

وقد ركزت إستراتيجية التنمية الزراعية 2010/2030 علي ضرورة التكامل بين مجموعة الحبوب ( قمح – ذرة – أرز – ذرة رفيعة – شعير ) حيث أنها محاصيل تكمل بعضها البعض وبعضها يتم زراعتها شتاء والغالبية يتم زراعتها صيفا كما تشتغل مجموعة محاصيل الحبوب نصف المساحة المحصولية التي تبلغ حوالي 15-16  مليون فدان أي أن مجموعة الحبوب تشغل حوالي 7.5-8 مليون فدان سنويا .

المحاور الأساسية لتنمية الزراعة المصرية :

تستند تنميــة الزراعــــة المصــــرية إلي ثلاث محاور رئيسية نذكرها بإيجاز فيما يلي:

1.تطوير التركيب المحصولي بما يحقق أقصى حد آمن من السلع الغذائية خاصة القمح وأقصى حد من المحاصيل التصديرية والتصنيعية .

2.رفع الكفاءة الإنتاجية للموارد الزراعية ( الأرض والمياه ) التي تستثمر في الزراعة (التوسع الرأسي ) .

3. التوسع الأفقي باستصلاح أقصى مساحة من الأراضي البور  والصحراوية في نطاق خطة الدولة في استصلاح 3.4مليون فدان حتى عام 2017 علاوة علي ما يمكن توفيره من مياه الري نتيجة استبدال طريقة الري بالغمر بنظام الري السطحي المرشد والتي تسهم في استصلاح مزيد من الأراضي والمقدر بحوالي 10 مليارات م 3 من مياه تسهم في استصلاح حوالي 3 مليون فدان إضافية حتى عام 2030 .

ونتناول فيما يلي هذه المحاور الثلاثة بالصورة التي توضح لنا كيفية النهوض بالزراعة المصرية ورفع مستواها الاقتصادي والاجتماعي والإنساني بحيث تصبح زراعة متطورة وحديثة وفائقة في كل نواحيها :

المحور الأول : تنظيم التركيب المحصولي بالنسبة لمحاصيل الحبوب الرئيسية  :

تشير البحوث والدراسات إلي ضرورة تطوير التركيب المحصولي الحالي لمحاصيل الحبوب علي النحو التالي:

1. زيادة المساحة المنزرعة من القمح في حدود مليون فدان علي الأقل لتصل إلي حوالي 4 مليون فدان حتى عام 2017 وإلي 5 مليون فدان عام 2030 لبلوغ حد مناسب من الاكتفاء الذاتي لرغيف الخبز ليرتفع بذلك إلي حوالي 75%  وفي تقديرنا أنه حد مناسب ومتوازن وأمن في ذات الوقت لطعام الناس مع التركيز علي تنمية إنتاجية هذا المحصول مستقبلا في المساحات التي تستصلح في المناطق الشمالية وكذا في المناطق الساحلية وذلك لمواجهة احتياجات الزيادة السكانية السنوية والتي تبلغ حوالي 2 مليون نسمة وتحتاج إلي ضمان زيادة المساحة القمحية سنويا بحوالي 125 ألف فدان .

2.  زيادة مساحة الذرة الصفراء التي تستورد منها الدولة كميات كبيرة تبلغ نحو خمسة ملايين طن وذلك لسد النقص الواضح في علف الماشية والدواجن ويمكن أن يتم هذا التوسع تدريجيا في حدود 500 ألف فدان يمكن زيادتها إلي مليون فدان في الأراضي الجديدة لتصل جملة مساحة الذرة إلي ما لا يقل عن 3.50 مليون فدان يخصص منها مليون فدان فقط  لزراعة الذرة الصفراء والباقي يخصص لزراعة الذرة البيضاء والذرة الرفيعة .

3. تقليل المساحة التي تزرع بمحصول الأرز في المحافظات الشمالية لتصير في حدود 1.4 مليون فدان فقط حيث قد جاوزت مساحته 2.2 مليون فدان في السنوات الأخيرة وذلك بهدف توفير المياه اللازمة للتوسع في مساحة الذرة صيفا والقمح شتاء .

المحور الثاني : رفع مستوى الإنتاج والكفاءة الإنتاجية :

أن النمو الاقتصادي هو أساسا عملية من النمو التكنولوجي الذي يرفع من الكفاءة الإنتاجية لعوامل الإنتاج وهذا النمو من شأنه توفير ركيزة أساسية للزيادة المتنامية والمتواصلة في الدخل القومي وهو بدوره يحفز قطاعات التنمية الإنتاجية والخدمية للاستفادة المباشرة من التقنيات الحديثة .

ولا شك فأن تكنولوجيات زيادة الكفاءة الإنتاجية هي بدورها نتيجة استثمار رأس المال البشري بالإضافة إلي تطوير المؤسسات التي بمقدورها استثماره بنجاح وتوجيهه نحو تحقيق أهداف إنتاجية مثالية ومثال ذلك وفي مقدمته تطوير مؤسسات البحث العلمي المسئولة عن إنشاء وترسيخ قاعدة التكنولوجيا الزراعية الحديثة .

والنمو في مجال الزراعة يصبح ممكنا إذا كانت التنمية الزراعية في القطاعات تسير بمعدلات مرتفعة وفي الاتجاه الصحيح ومن هنا فإن التحول التكنولوجي في الزراعة أمر بالغ الأهمية حيث تؤدي إلي بلوغ معدلات عالية من التنمية الاقتصادية والمشاركة الفعلية في عملية التنمية واستثمار الموارد الإنتاجية عن طريق مشاركة أكبر عدد من القوى العاملة في البلاد فهذه التنمية تؤدي من ناحية أخرى إلي زيادة فرص العمل والاستثمار في البلاد وبالتالي زيادة دخول الزراع .

وبدا واضحا أن مجالات التنمية وآفاق النمو  في عقد التسعينات قد قدمت فرصا واسعة لتقليل حجم الفقر والجوع في كثير من الدول النامية ، وتطلب ذلك إحداث تحول وتقدم تكنولوجي في قطاع الزراعة ، من شأنه تقليل تكلفة الإنتاج وبالتالي زيادة ربحية الإنتاج الزراعي ، وهذا ما نسعى إلي تحقيقه حاليا وبأقصى حد مستطاع لحسم واحدة من أهم مشكلات التنمية الزراعية في بلادنا .

وطالما كانت التنمية الزراعية تسير في الاتجاه الصحيح ، وتحقق معدلات نمو متوازنة ومستقرة فإن ذلك بدون شك يؤدي إلي تكامل وترابط بين القطاع الزراعي وقطاعات التنمية الأخرى ومن خلال زيادة الاستثمار في البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي تولد فرص عمل جديدة للنشاط الاقتصادي ورفع قدرة الزراع علي استيعاب التكنولوجيا واستخدامها في كل مراحل الإنتاج .

المحور الثالث : استصلاح الأراضي :

إن الدولة عندما تسعى إلي تخطيط وتنفيذ برامج استصلاح الأراضي والمقدرة بحوالي 3.4 مليون فدان حتى عام 2017 فإنها تنشد تحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية واسعة المدى ، علي أن يكون ملحوظا عند دخول هذه المشروعات حيز التنفيذ وهي تتكلف مليارات عديدة من الجنيهاتفإنه لا بد أن يتم تحقيق هذه الأهداف بالدقة والشمول والإتقان والحرص علي أن يتم الإنفاق عليها من الأموال في محيط كامل من الأمانة والمراجعة والتقييم.

ومما تجدر الإشارة إليه أن تطوير الري السطحي في الأرض القديمة سوف يؤدي إلي توفير كميات كبيرة من مياه الري قد تصل إلي حوالي 10 مليار م3 يمكن استغلال جزء منها في استصلاح 3 مليون فدان من الأراضي الصحراوية التي تعتمد في استغلالها علي الري بالرش والتنقيط والري المحوري.

ولعل أهم الأهداف التي تسعى الدولة إلي تحقيقها هي :

  1. خلق قاعدة إنتاجية جديدة تسهم في إنتاج مزيد من الغذاء لتحقيق الأمن الغذائي الذي اصبح ضرورة من ضرورات التنمية والسلام الاجتماعي والحفاظ علي البيئة .

  2. إيجاد فرص عمل جديدة كوسيلة لحياة آمنة للأجيال الجديدة من السكان الريفيين والمشتغلين بالزراعة

  3. تخفيف الضغط السكاني من المناطق المأهولة والمكتظة عن طريق إيجاد مجتمعات متكاملة وأنشطة تنموية متعددة تعتبر مراكز جذب ، تساعد في استيعاب نسبة كبيرة من الزيادة السكانية .

  4. تحسين شكل ملكية الأراضي القديمة التي تتصف بالتفتت والبعثرة وذلك عن طريق نقل عدد من صغار الحائزين لوحدات مفتتة إلي الأراضي الجديدة وتجميع الوحدات المتناثرة في وحدات اقتصادية تكفل مستوى مناسبا من الإنتاج والدخل .

  5. أن تصبح الأراضي الجديدة مصدرا لإنتاج ضخم من الصادرات الزراعية ومن الميسور استخدام الأساليب والتقنيات الزراعية الحديثة في إنتاج التقاوي والمحاصيل غير التقليدية والسلالات الجديدة ومنتجات الزراعة العضوية.

 

الحالة الراهنة للناتج من الحبوب الرئيسية في مصر :

تمثل مجموعة الحبوب الرئيسية ( القمح والأرز والذرة البيضاء والصفراء و الذرة الرفيعة والشعير ) أهمية كبيرة في النمط الغذائي السائد علاوة علي أنها مجموعة مكملة لبعضها في إحداث الأمن الغذائي وتضييق الفجوة الغذائية ولذلك نجد أن التنمية الزراعية التي تم تحقيقها تعتبر نموذجا فريدا حيث تحققت زيادات كبيرة في إنتاجية الفدان من هذه المحاصيل .

ولو استعرضنا الناتج المحلي من محاصيل الحبوب نجد أنه في عام 1981 قد قدر بنحو ثمانية ملايين طن في حين كان جملة ما يلزم للاستهلاك في نفس العام قد وصل إلي 14.5 مليــون طن بعجز قدره 6.5 مليون طن وفي عام 1995 تحققت زيادة واضحة حيث وصل ناتجنا المحلي من هذه المجموعة إلي 16 مليون طن بينما ارتفع الاستهلاك أيضا إلي حوالي 24 مليون طن بعجز قدره ثمانية ملايين طن وفي عام 2003 أرتفع ناتجنا من هذه المجموعة إلي 18 مليون طن  في حين زاد الاستهلاك ليصل إلي حوالي 28 مليون طن بعجز قدره عشرة ملايين مليون طن يتمثل أساسا في التوسع في استيراد الذرة الصفراء لتأمين صناعة الدواجن إذ تقدر الكميات المستوردة من الذرة الصفراء بحوالي خمسة ملايين طن سنويا علي الأقل في حين أن الكميات المستوردة من القمح أيضا هي في حدود ستة ملايين طن سنويا كما أن هناك فائضا من الأرز يقدر بحوالي مليون طن حاليا  .

وفي عام 2008 أرتفع الناتج القومي من مجموعة الحبوب إلي 20 مليون طن في حين وصل حجم الاستهلاك إلي 32 مليون طن بعجز قدرة 12 مليون طن يتمثل أيضا في استيراد خمسة ملايين من الذرة الصفراء وسبعة ملايين طن من القمح في حين كان هناك فائضا من الأرز يقدر بما يزيد قليلا عن مليون طن .

ولذلك فإن الوزارة اقتناعا منها بأهمية وأولوية مجموعة الحبوب في تحقيق الأمن الغذائي فإنها لا تألوا جهدا في الارتفاع بالناتج المحلي من مجموعة محاصيل الحبوب الرئيسية مع اهتمام خاص بتنمية محصول القمح ثم بعد ذلك البدء في برنامج طموح للاقتراب من تحقيق نسبة عالية من الأمن الغذائي محليا لمجموعة محاصيل الحبوب لا تقل عن 75%  بالنسبة للقمح ، 100 % بالنسبة للذرة وكذلك الأرز.

الأهداف الرئيسية لإستراتيجية تنمية محاصيل الحبوب حتى عام 2016/2017 :-

  • زيادة حجم الإنتاج من القمح من 7.4 إلي 10.5 مليون طن . ومن ثم زيادة نسبة تغطية الإنتاج المحلي إلي 75% .

  • زيادة إنتاج الذرة الشامية البيضاء وكذلك الذرة الصفراء من 6.5 إلي 13.9 مليون طن، وخفض الواردات من الذرة الصفراء بنسبة 75% .

  • زراعة 1.35 مليون فدان من الأرز مع زيادة إنتاجية الفدان إلي 4.5 طن وبذلك يبلغ جملة الإنتاج المحلي حوالي 7 مليون طن أرز شعير يساوي حوالي 4.5 مليون طن أرز أبيض يكفي لتوفير احتياجات الطلب المحلي إلي جانب فائض تصديري محدود .

  • زيادة حجم الإنتاج من الذرة الرفيعة من 0.84 إلي 1.4 مليون طن .

  • مضاعفة إنتاج الشعير إلي 400 ألف طن .

  • خفض الفاقد من محاصيل الحبوب ( وبخاصة في مرحلة التخزين ) بنسبة 50% .

  • ومن خلال ما يتم توفيره من مياه الري نتيجة لرفع كفاءة الري السطحي في الأرض القديمة حاليا يمكن استخدام جزء منها في استصلاح مزيد من الأراضي الصحراوية التي تؤدي بالضرورة إلي الحفاظ علي نسبة أمن محلي لمحاصيل الحبوب لا تقل عن 75- 80% عام 2030 علي الرغم من الزيادة السكانية والمتوقع أن يصل عدد السكان إلي 110 مليون نسمة من خلال زيادة مساحة القمح لتصل إلي 5 مليون فدان 

ويمكن تحقيق أهداف هذه الإستراتيجية من خلال تحقيق زراعة مساحات من هذه المحاصيل كما يلي :-

تقليل مساحة الأرز إلي 1.4 مليون فدان بدلا من 2.2 مليون فدان حاليا ويعني ذلك توفير المياه اللازمة للتوسع في زراعة الذرة صيفا لتصل مساحته إلي 3.50 مليون فدان تنتج ما يزيد علي 15 مليون طن تكفي لتأمين نصف مليون طن يتم خلط دقيقه بدقيق القمح في صناعة رغيف الخبز البلدي مع تامين صناعة النشا وزيت الذرة وغيرها وجزء من أعلاف الماشية ثم يتبقى حوالي 5-6 مليون طن يمكن إنتاج رغيف خبز من الذرة 100%  تسهم في زيادة نسبة الاعتماد علي الذات في إنتاج الخبز محليا ومن خلال رفع كفاءة الري السطحي في الأرض القديمة إلي 75% بدلا من النسبة الحالية والتي لا تزيد عن 45% يمكن توفير كم من مياه الري يصل لحوالي 10 مليار م3 يمكن استخدام جزء منها في استصلاح مزيد من الأراضي الصحراوية بما يحافظ علي استمرار ضمان نسبة عالية من الأمن الغذائي محليا لمجموعة محاصيل الحبوب لا تقل عن 75- 80% عام 2030 علي الرغم من الزيادة السكانية .