الاستراتيجيات المائية والزراعية

د. أحمد السيد النجار  

 

أولا: الوضع المائي والاستراتيجية الملائمة لمعالجته

 تعاملت مصر تاريخيا مع كل ما يصل إليها من التدفق الطبيعي لنهر النيل على أنه مياهها، أو منحتها الطبيعية أو الإلهية، وتطورت الحياة البشرية والحيوانية والنباتية بناء على تلك المياه. وظل الأمر كذلك حتى القرن التاسع عشر بعد تأسيس الدولة المصرية الحديثة في عهد محمد علي، حيث بدأ عدد سكان مصر في التزايد بمعدلات سريعة وبدأت الاحتياجات المائية تتزايد، مما دفع مصر لإنجاز سلسلة طويلة من الأعمال الكبرى لضبط النهر العملاق. ولم تكن مصر بحاجة لأية اتفاقيات دولية للقيام بتلك الأعمال في عهدي محمد على والخديوي إسماعيل، حيث كانت المياه الواصلة إلى مصر هي مياه متروكة وخارج نطاق احتياجات الدول في مناطق منابع النيل، أي أن مصر ببساطة لم تكن تتجاوز على حقوق أحد بل تستثمر ما يصل إليها من مياه، تلك المياه التي ترتبت عليها بصورة كاملة، كل حياة البشر والحيوان والنبات في مصر، وأصبحت حقوقاً تاريخية مكتسبة لشعب مصر لا مجال للانتقاص منها مطلقاً. كما أن مصر دفعت من لحمها الحي لإقامة المشروعات التي حمت بها مياه النيل من التبدد في البحر، وهناك لدى كل دول الحوض مجالات كبيرة لزيادة الإيرادات المائية للنيل بأن تفعل مثلما فعلت مصر بالاتفاق مع باقي دول الحوض لإقامة المشروعات العديدة الممكنة لزيادة حجم المياه التي تدخل مجرى النيل ولإنقاذ المياه الموجودة في مجراه فعليا من التبدد بالبخر والنتح والتسرب والتشرب في المستنقعات.

وخلال العهد الاستعماري وقعت بريطانيا أثناء احتلالها لمصر، بروتوكولا مع إيطاليا التي كانت تحتل إريتريا، تعهدت فيه إيطاليا بعدم إقامة أية منشآت لأغراض الري على نهر عطبرة. كما وقعت بريطانيا  اتفاقية مع اثيوبيا فى 15 مايو عام 1902، وتتضمن تعهد منليك الثانى ملك اثيوبيا بأن لا يقوم بإنشاء أو يسمح بإنشاء أعمال على النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط من شأنها الحد من تدفق المياه منها لنهر النيل. وإذا كان حصول دولة من خارج حوض أي نهر على المياه من هذا النهر لمدة عام يرتب لها وبموجب القانون الدولي حق ارتفاق دائم على هذه المياه، فإن اعتماد مصر التاريخي على مياه النيل، يجعلها أولى بحقوقها المائية التاريخية المكتسبة فيه.

وفي ديسمبر عام 1906، وقعت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا اتفاقا في لندن بشأن الحبشة (إثيوبيا)، تضمن موافقة الدول الثلاث على تأمين وصول مياه النيل الأزرق وروافده إلى مصر. وفي 12 مايو عام 1894، وقع ملكا بريطانيا المسيطرة على مصر، وبلجيكا التي كانت تحتل الكونغو، اتفاقا ينص على تعهد حكومة الكونغو بـ”أن لا تقيم او تسمح بإقامة أية أشغال على نهر سمليكي أو نهر أسانجو أو بجوار أي منهما يكون من شأنها خفض حجم المياه المتدفقة منهما في بحيرة ألبرت (موبوتو) (لوتانزيجا).

وفى 7 مايو عام 1929 وافق المندوب السامى البريطانى نيابة عن الادارات الحكومية البريطانية القائمة فى كل من السودان وأوغندا وكينيا وتنزانيا، على المذكرة التى أرسلها رئيس وزراء مصر محمد محمود باشا بشأن مياه النيل، وبذلك أصبحت اتفاقية مياه النيل سارية منذ ذلك التاريخ. وأهم ما تنص عليه اتفاقية عام 1929 هو تحديد حق مصر المكتسب من مياه النيل الذى أصبح حصتها السنوية بمقدار 48 مليار متر مكعب، كما أكدت الاتفاقية على أن لمصر نصيبا فى كل زيادة في موارد النيل فى حالة القيام بمشروعات جديدة على النيل وروافده.

ولم تظهر دول حوض النيل فى البداية اعتراضا على تلك الاتفاقية باستثناء اثيوبيا التى لم تعترف بها، لكن فى اعقاب استقلال دول حوض النيل، رفضت تنزانيا الاعتراف بها وطالبت تنزانيا وكينيا واوغندا، مصر بالتفاوض معهم للتوصل لاتفاقية جديدة بشأن مياه النيل بدلا من اتفاقية عام 1929، وهو ما رفضته مصر بناء على اتفاقية التوارث الدولى المقرة عالميا.

وفى 8 نوفمبر 1959 وقعت مصر مع السودان اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل لبناء السد العالى. وتحدد الاتفاقية الفوائد المائية من انشاء السد العالى بمقدار 22 مليار متر مكعب عند أسوان بعد خصم 10 مليارات متر مكعب تفقد بالبخر. وتقسم الاتفاقية صافى الفائدة المائية للسد العالى بواقع 7.5 مليار متر مكعب لمصر، 14.5 مليار متر مكعب للسودان، لتصبح حصة مصر من مياه النهر 55.5 مليار متر مكعب، وحصة السودان 18.5 مليار متر مكعب.

1-                 أزمة المياه الراهنة والآليات الداخلية لمواجهتها

مع تزايد سكان مصر والتوسع الزراعي، تزايدت استهلاك المياه في مصر ليبلغ 68,3 مليار متر مكعب حاليا، بواقع 813 متر مكعب للفرد، مما يضع مصر بين الدول التي تعاني من ندرة في المياه أو الفقر في المياه وفقا لتصنيف المتخصصة السويدية في مجال المياه مالن فلكنمارك والتي صنفت الدول التي يتراوح نصيب الفرد فيها من المياه بين 1000 متر مكعب، و500 متر مكعب كدول تعاني من ندرة المياه، أما إذا قل نصيب الفرد من المياه عن 500 متر مكعب فإن ذلك يعني أن البلد يعاني من ندرة تامة أو فقر مدقع في موارد المياه.

وهذا الوضع يضطر مصر إلى الاستخدام الجائر للمياه الجوفية بصورة تهدد الخزان الجوفي بالتملح والنضوب في الكثير من الأماكن، وتضطرها أيضا لاستخدام مياه الصرف الزراعي الملوثة والتي يزداد تلوثها بسبب صب الصرف الصحي والصناعي فيها في الكثير من الأماكن دون أي عمليات معالجة مثلما هو الحال في مصرف الرهاوي الذي يحمل كميات ضخمة من المياه الملوثة من بني سويف والجيزة ويصب في فرع رشيد مباشرة عند قرية نكلا. وهذه الأزمة يمكن مواجهتها من خلال ما يلي:-

أ‌–    ترشيد استهلاك المياه من خلال تقليل الفواقد الضخمة في النقل والتسرب، ومن خلال تغيير أنماط الري وفرض استخدام الري بالتنقيط في كل زراعات الخضر والفاكهة بالقانون مع عقوبات رادعة على المخالفين، لأن الري بهذه الطريقة يستهلك أقل من ثلث المياه المستهلكة في حالة الري بالغمر.

ب‌–   تجريم تلويث مياه النيل وفروعه والبحيرات العذبة بمياه الصرف الصناعي المدمرة للأرض الزراعية ولصحة الإنسان والحيوان وفرض عقوبات جنائية رادعة لمنع هذا التلويث، وإقامة محطات متقدمة لتنقية مياه الصرف الزراعي والصحي قبل إعادة استخدامها الذي يستحسن أن يكون في مجال زراعة الأشجار الخشبية والألياف التي لا يوجد معها بذور زيتية.

ت‌–   تغيير التركيب المحصولي بصورة متوافقة مع الموارد المائية المتاحة ورفع كفاءة استخدامها، مثل إحلال زراعة البنجر السكري محل جزء من زراعات القصب، لأن محصول البنجر مدته 6 أشهر بينما يستغرق محصول القصب عام كامل، كما أن طن السكر المنتج من القصب الذي يبلغ تركيز العصارة السكرية فيه 11%، يستهلك من المياه ما يعادل مرتين ونصف قدر ما يتم استهلاكه للحصول على طن السكر من البنجر الذي يبلغ تركيز العصارة السكرية فيه 16%.

 

2-                 السدود الإثيوبية والموقف الملائم منها

أثيرت قضية بناء السدود في إثيوبيا منذ ستينيات القرن الماضي في إطار الضغط الأمريكي والغربي على مصر، لكنها لم تبدأ في التحول إلى واقع إلا في تسعينيات القرن العشرسن. ومنذ عام 1996 ثار الكثير من الجدل حول طلب اثيوبيا للتمويل الدولى لشبكة من السدود على روافد النيل التى تنبع من الهضبة الاثيوبية، وأهمها سد النهضة أو سد الألفية الكبير، وهو سد عملاق تبلغ تكلفته 4,8 مليار دولار ويبلغ ارتفاعه 145 مترا، ويبلغ طوله الذي يعترض مجرى النيل الأزرق قرب الحدود مع السودان في ولاية بنيشنقول قماز الإثيوبية نحو 1800 متر، ويمكنه توليد 6 آلاف ميجاوط، أي نحو ثلاثة أمثال الطاقة الكهربائية المولدة من المحطة الكهرومائية لسد مصر العالي، وهو أكبر من أي سد إفريقي في هذا المجال. والمنطقة التي يقام فيها السد عبارة عن هضبة شديدة الوعورة وغير ملائمة لإقامة مشروعات زراعية، بما يعني أن دور هذا السد الكبير سيقتصر على توليد الطاقة التي تحتاجها إثيوبيا، لكن فترة ملء خزان السد ستقتطع جزء مهم من مياه النيل الأزرق التي تتدفق إلى مصر والسودان.والمعالجة الأصوب لهذه القضية تتركز فيما يلي:-

أ‌–    التفاوض لتنظيم عملية ملء الخزان بصورة تقلل الأضرار على مصر والسودان خلال فترة الملءوالنظر إلى المشروعات الاثيوبية بشكل واقعى وموضوعى، إذ ينبغي الاقرار بحق إثيوبيا فى اقامة مشروعات لتوليد الكهرباء من مساقط المياه على روافد النيل.

ب‌–   يجب على مصر أن تتعاون مع إثيوبيا في مشروعاتها المائية كبادرة حسن نية ولضمان المتابعة ولوضع قيود مادية ومعنوية على إقامة أي مشروعات غير مقبولة مصريا، وحتى لا تترك المجال لدول معادية لمصر لتقوم بذلك.

ت‌–   يمكن لمصر أن تتعاون مع إثيوبيا لتطوير الإيرادات المائية في منطقة منابع نهري جوبا وشبيلي، وحتى في حوض نهر السوباط لإنقاذ ما يتبدد من مياهه في مستنقعات مشار بحيث تحصل إثيوبيا على حصة منها وتتوجه باهتماماتها المائية والزراعية بعيدا عن النيل الأزرق، شريطة أن توافق رسميا على اتفاقية 1959، وألا تمس حصة مصر من مياه النيل، فى إطار صفقة شاملة للتعاون بين الدولتين حول مياه النيل بدلا من التنازع عليها، وتعاون أشمل في مجال الزراعة والصيد والثروة الحيوانية.

 

3-                 المشروعات الممكنة لتطوير الإيرادات المائية للنيل

تتحدد المشروعات الممكنة لتنمية الإيرادات المائية لنهر النيل، بطبيعة النهر والسمات الأساسية له ولروافده وحوضه، والتي تتركز في أن حوض نهر النيل هو عبارة نظم نهرية وبحيرية متتابعة تختلف عن بعضها البعض فى الكثير من سماتها الجوهرية. وبالتالي فإن تنمية إيرادات النهر بصورة شاملة يمكن أن تتم من خلال إقامة مشروعات تؤدى هذا الدور داخل كل نظام من النظم النهرية والبحيرية التى يتضمنها حوض النهر، باستثناء النيل الأزرق والعطبرة اللذين يرتبطان بعمق بالنظام النهرى للنيل الرئيسى الذي يصبان فيه كل إيرادهما المائي، واللذين أمكن تطوير الاستفادة منهما من خلال مشروعات فى المجرى الأدنى فى مصر. كما أن تتابع النظم النهرية والبحيرية المشكلة للنيل، يعني أن أى مشروع لزيادة الإيرادات المائية فى أعالى النهر يستتبعه بالضرورة مشروعات تابعة فى مجرى النهر شمال هذا المشروع لضمان إيصال مياهه إلى المناطق التالية للمشروع الأصلى. كما يتسم النيل بأنه موسمي الإيراد تبعا لموسمية إيراد النيل الأزرق ونهر عطبرة حيث يرتفع الإيراد بشدة فى شهور فيضان الروافد الحبشية فى الصيف وبدايات الخريف، وينخفض بشكل حاد فيما عدا ذلك من شهور العام. كما تشير الوقائع التاريخية إلى أن منابع النيل وبالذات المنابع الأثيوبية تتعرض لموجات من الجفاف أحيانا وارتفاع الإيرادات من مياه الأمطار بشكل هائل فى أحيان أخرى، حيث بلغ أقصى إيراد مسجل للنيل نحو 151 مليار متر مكعب عند أسوان عام 1878/1879، علما بأن متوسط إيراد النيل عند أسوان هو 84 مليار متر مكعب سنويا. وبلغ الإيراد السنوى للنيل عند أسوان نحو 119 ، 119 ، 114 ، 112 ، 111 ، 109 ، 107 مليار متر مكعب فى أعوام 1894 ، 1895 ، 1896 ، 1916، 1917 ، 1964 ، 1988 على الترتيب. وبالمقابل بلغ الإيراد نحو 46 ، 66 ، 69 ، 57 ، 70 ، 60 مليار متر مكعب فى أعوام 1913 ، 1940 ، 1983 ، 1984 ، 1986 ، 1987 على الترتيب.[13]

وهذا التقلب فى إيراد النيل من عام لآخر كان مصدرا للمجاعات والكوارث المروعة فى دول حوض النيل من منابعه الاستوائية والحبشية حتى مصر.

وإذا كان التخزين السنوى للمياه فى الفيضان لاستخدامها فى شهور الجفاف، يمكن أن يجدى فى مواجهة تذبذب إيراد النيل من فصل إلى فصل على مدار العام، فإن تقلب الإيراد من عام لآخر لا يمكن مواجهته بالتخزين السنوى، وإنما بالتخزين المستمر لفائض المياه فى سنوات زيادة الإيراد لاستخدام هذا المخزون فى السنوات الشحيحة الإيراد. وهذا التخزين المستمر هو ما اصطلح على تسميته بالتخزين القرنى. ويعد السد العالى الذى تم اختياره في الولايات المتحدة (نيوهامبشاير) عام 1999 من قبل شركات الهندسة العقارية وتصميم وتنفيذ السدود، كأعظم مشروع بنية أساسية في العالم فى القرن العشرين وبالتالى فى التاريخ بعد منافسة قوية مع سد بولدر الأمريكي و”الإمباير ستيت” أول ناطحة سحاب في العالم… يعد السد العالي هو أكبر مشروعات التخزين المستمر على نهر النيل، وهو المشروع الذى أخرج مصر من الدائرة الجهنمية لآثار تذبذب إيراد النيل على مدار العام ومن عام لآخر. أما السودان فإنه أصبح بفضل هذا المشروع، أكثر قدرة على تنظيم مياه النيل على مدار العام. وعلى مواجهة النقص فى الإيرادات المائية للنيل فى هذا العام أو ذاك، لكنه مازال يتعرض لمخاطر الفيضانات حتى الآن.

كما تتسم النظم النهرية والبحيرية المكونة لنهر النيل بأنها تنطوى على نقاط ضعف جيولوجية هامة تتمثل في انخفاض معامل انحدار النهر أو تلاشيه في بعض المناطق وتحوله لمستنقعات تتبدد فيها كميات هائلة من المياه فى مستنقعات وبحيرة كيوجا، وبحر الجبل ونهر النعام وحوض بحر الغزال ومستنقعات مشار على نهر السوباط وفى النيل الأبيض ذاته الذى يضعف انحداره ويبطء جريان المياه فيه ويتحول إلى ما يشبه البحيرة فى موسم الفيضان بما يبدد كميات كبيرة من المياه منه بالتسرب والبخر. وبالتالي فإن المشروعات الممكنة لتنمية إيرادات النيل وتطوير حوضه لابد أن تبدأ بمعالجة نقاط الضعف فى مجرى النيل وبحيراته لإنقاذ المياه التى تتبدد فى مناطق الضعف المذكورة آنفا، لتنضم إلى قائمة المشروعات التي أقيمت عليه في السابق مثل قناطر الدلتا (بدأ التنفيذ عام 1843 واكتملت عام1861)، وخزان أسوان الذى بدأ تنفيذه عام 1898 وانتهى فى عام 1902 بسعة تخزينية قدرها مليار متر مكعب على منسوب 106 متر فوق سطح البحر، ثم تمت تعليته مرتين الأولى عام 1912 والثانية عام 1933 بحيث أصبحت سعته التخزينية نحو 5 مليارات متر مكعب على منسوب 121 مترا فوق مستوى سطح البحر. وقناطر “أسيوط” و”زفتى” التى أنشئت عام 1902 وقناطر “إسنا” التى أنشئت عام 1906، قناطر نجع حمادى عام 1930، وقناطر الدلتا الجديدة فى عام 1939 لتقوم بالدور الذى كانت تلعبه القناطر القديمة.

والى الجنوب من حدود مصر الحالية تم فى عام 1925 انشاء خزان سنار على النيل الأزرق على بعد 390 كيلو مترا من الخرطوم وتمت تعليته عام 1952 لتصل قدرته التخزينية الى 931 مليون متر مكعب، وخزان جبل الأولياء على النيل الأبيض جنوبى الخرطوم عام 1937 لتخزين المياه لصالح مصر، وبلغت قدرة الخزان نحو 2,5 مليار متر مكعب.

وكانت أهم الأفكار المطروحة للتخزين المستمر (القرنى) هى تلك الخاصة بالتخزين فى البحيرات الاستوائية والأثيوبية وتحديدا بحيرات فيكتوريا وكيوجا وموبوتو (البرت) فى هضبة البحيرات الاستوائية وبحيرة تانا فى الهضبة الأثيوبية. وطرحت الأفكار الخاصة بالتخزين فى تلك البحيرات بشكل جدى منذ عام 1920 حينما قدم بيت الخبرة البريطاني “مردوخ ماكدونالد”، مشروعا متكاملا للتخزين القرنى لمهندسى وزارة الأشغال المصرية. وكان المشروع يتضمن بناء قناطر عند نجع حمادى وسد عند “سنار” وسد عند جبل الأولياء. وتضمن مشروع بيت الخبرة البريطانى المذكور عدة مشروعات أخرى، لم تنفذ فعليا وهى إقامة سد على بحيرة موبوتو (البرت) فى أوغندا، وإقامة سد آخر على بحيرة تانا فى أثيوبيا. كما تضمن المشروع بناء قناة لحماية مياه نيل موبوتو (البرت) الذى يطلق عليه بحر الجبل عندما يدخل السودان، من الضياع فى منطقة السدود النباتية أو المستنقعات فى جنوبى السودان والتى يضيع فيها بالتسرب والبخر والنتح نحو 50% من إيراد بحر الجبل، وهى القناة المعروفة بقناة المستنقعات أو قناة جونجلىلكن تلك المشروعات لم تنفذ حتى الآن.

أما المشروع الأعظم الذي أقيم على نهر النيل فهو السد العالي الذي غير مصير شعب مصر بعد أن مكنه من السيطرة على الفيضانات المدمرة، وتكوين مخزون هائل من المياه يحميه من دورات الجفاف السباعية الرهيبة التي تتكرر كل قرن أو قرنين تقريبا منذ العهد الفرعوني وحتى الآن، والتي شهدت مصر واحدة منها خلال الفترة من عام 1980 حتى عام 1987، وقد أنقذ السد العالي نحو 32 مليار متر مكعب من التبدد في البحر، لكن نحو 10 مليارات متر مكعب منها تضيع بالبخر في بحيرة ناصر ليتبقى نحو 22 مليار متر مكعب تحصل مصر على 7.5 مليار متر مكعب منها، ويحصل السودان على 14.5 مليار متر مكعب.

وبالنسبة للمشروعات المستقبلية لتطوير الإيرادات المائية للنيل، هناك عدد من المشروعات بعضها ثبتت الجدوى الاقتصادية والإمكانية الفنية لإقامتها فعلا، وبعضها يحتاج للدراسة، ويمكن تركيزها على النحو التالي:-

أ – مشروع لزيادة إيرادات نهر كاجيرا من حوض هذا النهر الذى تسقط عليه كميات هائلة من الأمطار لا يصل منها عبر النهر إلى بحيرة فيكتوريا سوى 8% منها، وذلك من خلال تطوير المخرات الرئيسية الجامعة للسيول التي تصب المياه الساقطة على حوض هذا النهر في مجراه، لزيادة حجم ما يدخل مجرى النهر من تلك المياه. وإضافة إلى ذلك هناك ضرورة لبناء خزانات صغيرة ومتعددة لتجميع المياه الفائضة من مخرات السيول والتي لا يمكن لمجرى نهر كاجيرا أن يستوعبها في موسم الأمطار، وذلك لتخزينها في الموسم المذكور، ثم تنظيم نقلها لمجرى النهر في فترات الجفاف التي تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر تقريبا، وتطوير مجرى نهر كاجيرا بحيث يستوعب الكميات الإضافية التي ستدخل مجراه.

ب – مشروع لردم مستنقعات بحيرة كيوجا وتحويلها لأراضى زراعية خصبة لمصلحة أوغندا، مع إنشاء قناة مبطنة بالحجر والأسمنت لنقل مياه نيل فيكتوريا قبل مصبه في جنوب غرب هذه البحيرة إلى نقطة خروجه منها، مع بناء قنوات فرعية لتجميع مخرات السيول التي تجمع الأمطار الغزيرة التي تسقط على البحيرة ومستنقعاتها، لتصب هذه المياه في القناة الرئيسية التي تنقل مياه نيل فيكتوريا والإيرادات الإضافية القادمة من منطقة كيوجا ومستنقعاتها. ويمكن تعميق البحيرة ذاتها أو تأهيلها لزيادة المنصرف منها، علما بأنها هى ومستنقعاتها تفقدان نحو 20 مليار متر مكعب بالبخر سنويا. ويمكن توزيع أي إضافة في الموارد المائية من هذا المشروع بين أوغندا حسب احتياجاتها وبين كل من مصر والسودان، كما يمكن توزيع تكلفة المشروع، بما في ذلك تكلفة تعويض الأضرار الناجمة عنه، بين هذه الدول الثلاث حسب استفادتها منه.

ت – مشروع لاقامة سد على قناة كازنجا فى نقطة التقائها ببحيرة إدوارد وذلك للسماح بمرور المياه من بحيرة جورج إلى بحيرة إدوارد ومنها إلى نهر سمليكي، ومنع عودة المياه من بحيرة إدوارد إلى بحيرة جورج.

ث – إضافة إلى ما سبق، هناك المشروعات المطروحة منذ فترة والتى بدأ تنفيذ بعضها ثم توقف مثل مشروع جونجلى لحماية مياه بحر الجبل من التبدد فى المستنقعات فى جنوب السودان (يتبدد نحو 17 مليار متر مكعب في مستنقعات بحر الجبل ونهر النعام)، ومشروع حماية مياه نهر السوباط من التبدد فى مستنقعات مشار (4 مليارات متر مكعب)، ومشروع إقامة سد على بحيرة موبوتو (ألبرت) (لوتانزيجا)، ومشروع تنمية الإيراد المائى لحوض بحر الغزال، وبالذات على فروعه: “الجور” و”لول” و”بحر العرب”، حيث يبلغ إيراد بحر الغزال من مجموع روافده نحو 15.5 مليار متر مكعب تتبدد كلها تقريبا حيث لا يصل منها إلى النيل الأبيض سوى نصف مليار متر مكعب فقط.

ومن البديهي أن أي إضافة للإيرادات المائية من مشروعات يتم تنفيذها في أعالي النيل، سوف يستتبعها حتما مشروعات أخرى لتأهيل مجرى النيل شمالي تلك المشروعات لاستيعاب الزيادة في كمية المياه المتدفقة من خلال النهر.

وتجدر الإشارة إلى أن أى مشروع ينفذ من هذه المشروعات يجب أن يحقق مصلحة كبيرة للمجتمع المحلى فى منطقة المشروع حتى يكون هناك حرص من هذا المجتمع على المشروع، كما ينبغى مراعاة الاعتبارات البيئية إلى أقصى درجة ممكنة، كما ينبغى أن يتم توزيع أعباء المشروعات وتكاليفها التي تشمل التعويضات المرتبطة بإقامة هذه المشروعات، بشكل متسق مع الاستفادة التى سيحصل عليها كل طرف منها، كما ينبغى أن يكون توزيع الاستفادة قائما على أسس عادلة وإنسانية تسهم في تهدئة الخواطر في بلدان حوض النهر التي ينبغي العمل على ربطها بما يمكن تسميته أخوة النهر من خلال تعاون اقتصادي مائي وزراعي وصناعي وخدمي وصحي وتعليمي وتجاري وتدريبي مدني وعسكري لتطوير العلاقات على أساس تبادل واسع النطاق للمنافع بشكل متكافيء، بما يمنع أي محاولات  اختراق معادية لمصر في دول حوض النيل.

ومن الضروري العمل على ربط البنية الأساسية بين مصر ودول حوض النيل بخطوط برية وحديدية وبحرية وجوية لتسهيل نقل البضائع والأشخاص وتخفيض تكلفتها، وذلك في إطار تعاون شامل. وضمن هذا التعاون الشامل لابد أن تضع مصر خطة تنموية لتطوير صناعات مصرية خاصة وعامة على أساس قاعدة الموارد المعدنية والزراعية في بلدان حوض النيل، بما يفيد الاقتصاد المصري واقتصادات تلك البلدان بصورة عادلة ومتكافئة ويعمق الروابط بين الطرفين.

ثانيا الاستراتيجية الزراعية الملائمة لمصر

كرست حكومات الرئيس المخلوع أسلوبا يتسم بالعشوائية والتجاهل في التعامل مع القطاع الزراعي مما أدى في النهاية إلى تراكم مشكلات المياه والتركيب المحصولي من جهة، وترك الفلاحين بلا حماية حقيقية من جهة أخرى، حيث يتعرضون لاستغلال مزدوج من تجار المدخلات الزراعية من بذور وسلالات وأعلاف وأسمدة وكيماويات مغذية ومكافحة للحشرات والآفات الزراعية، ومن تجار الحاصلات الزراعية والخضر والفاكهة الذين يشترونها من الفلاحين بأسعار متدنية، تصل في بعض الأحيان إلى أن تكون أقل من تكلفة جمعها من الأرض، مما يدفع بعض المزارعين على سبيل المثال، إلى إعدام إنتاجهم من الطماطم حرثا في الأرض في بعض المواسم. كما أنهم يتعرضون لمنافسة غير عادلة من مزارعي الدول الأخرى التي تقدم دعما كبيرا لمزارعيها، مما أضر بمحصول القطن المصري بضراوة، وكذلك الأمر بالنسبة لمحصول القمح.

ومن ناحية أخرى فإن هناك غياب كامل تقريبا لتنظيم التركيب المحصولي في الزراعة المصرية، حيث ترك القطاع الزراعي يعمل بصورة عشوائية بلا أي استراتيجية أو توجيه أو دعم نتيجة الفهم الخاطئ  لقضية التحرير الاقتصادي، وهذا أمر عبثي أدى في النهاية لانهيار إنتاج القطن في مصر والإضرار الجسيم بصناعة الغزل والإضرار بدرجة أقل بصناعات النسيج والملابس الجاهزة، والإضرار بدور مصر كمُصدِر تقليدي للقطن الطويل التيلة الممتاز ومنتجاته، وأدى أيضا لاضطراب إنتاج وأسعار القمح بصورة لا تتيح أي فرصة لبناء برنامج لرفع الاكتفاء الذاتي منه وتقليل الإنفاق على واردات مصر منه والتي تضعها للأسف في مقدمة دول العالم في استيراده.

ومن ناحية أخرى فإن عمليات استصلاح الأراضي الصحراوية القابلة للزراعة، بلغت أكثر من 70 ألف فدان سنويا في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رغم تخلف وبدائية الآلات المستخدمة في ذلك بالمقارنة مع الآلات التي أصبت متاحة بعد ذلك وفي الوقت الراهن، وانخفض معدل الاستصلاح السنوي إلى 59 ألف فدان سنويا في عهد الرئيس السادات، وانخفض إلى أقل من 24 ألف فدان سنويا في عصر مبارك رغم وجود مساحات كبيرة من الأراضي القابلة للزراعة من الرتب الأولى والثانية والثالثة.

وتتركز التوصيات في هذا المجال فيما يلي:-

1-   مواجهة أثر السياسات الزراعية التي تتبعها الدول الأخرى وتؤثر على الفلاح المصري وعلى إنتاجه من المحاصيل الاستراتيجية مثل الحبوب والقطن وقصب وبنجر السكر، من خلال سياسات تسعير ودعم فعالة، بحيث يكون سعر المحاصيل الاستراتيجية الذي يُقدم للفلاحين عند شرائها منهم، في نفس مستوى أو أعلى من تكلفة استيرادها (سعر السلعة في السوق الدولية + تكاليف نقلها والتأمين عليها)، وعدم تخفيض أسعار استلام المحاصيل الاستراتيجية من الفلاحين عندما تقوم الدول الأخرى المصدرة لها بتخفيض تلك الأسعار بشكل متعمد لإجهاض برامج الاكتفاء الذاتي في الدول النامية ضمن عمليات التلاعب الدورية التي تحدث في الأسواق العالمية للحبوب والقطن على سبيل المثال. كما يراعى أيضا في تسعير المحاصيل الاستراتيجية أن يكون عائدها أعلى من عائد المحاصيل البديلة التي تزرع في نفس الوقت داخل مصر لتشجيع الفلاحين على زراعة تلك المحاصيل الاستراتيجية.

2-   قيام الدولة بدور التاجر المرجح في سوق المدخلات والمحاصيل والخضر والفاكهة، الذي يتدخل في السوق لتحقيق التوازن السعري، وحماية الفلاحين من الاستغلال، وحماية المستهلكين أيضا من استغلال التجار.

3-   انتهاج سياسة الإقراض المُيسر للمشروعات التعاونية والصغيرة للفلاحين عموما وبخاصة الفلاحين المعدمين وخريجي المدارس والكليات الزراعية، بأسعار فائدة منخفضة وفترات سماح مناسبة لتمكينهم من تأسيس مشروعات صغيرة لتسمين الماشية وتربية الأرانب والدواجن ونحل العسل ومزارع الأسماك وصناعة الجبن وتجهيز وحفظ الخضر والفاكهة والأسماك وغيرها من المشروعات الأعلى ربحية في القطاع الزراعي حاليا.

4-    بناء نظام لتحديد التركيب المحصولي بصورة متوافقة مع الاحتياجات الاجتماعية تعطي الأولوية للمحاصيل الاستراتيجية الغذائية والتي تقدم المواد الخام الضرورية للصناعة. وهناك أنماط مختلفة لتنظيم التركيب المحصولي وإصلاحهالأول هو الدورة الزراعية الشاملة والمحكمة (الجامدة) التي تستند الدولة فيه إلى سلطتها السيادية وتحدد التركيب المحصولى من المحاصيل الاستراتيجية وتفرضه على المزارعين فى القطاع الخاص فضلا عن الاراضى المملوكة للدولة، وتقسم الأراضي الزراعية في هذا النموذج إلى قسمين، أحدها يزرع المحاصيل الاستراتيجية التي تختارها الدولة إجباريا، والآخر يكون الفلاح حرا في زراعة المحاصيل التي يختارها، ويتم التبادل بين القسمين في عاما بعد عاموالثاني هو الدورة الزراعية المرنة حيث تتدخل الدولة وتقسم الأراضي الزراعية إلى ثلاثة أقسام أو حتى أربعة وتفرض زراعة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والأرز والذرة والقطن في أحدها، بينما يكون الفلاح حرا في زراعة ما يريد في الأقسام الأخرى، على أن يتم تغيير الأراضي التي يتم تطبيق دورة المحاصيل الاستراتيجية فيها كل عام لضمان تطبيق هذه الدورة الزراعية بصورة عادلة على كل المزارعين. والثالث  هو استخدام سياسة الدعم والتحويلات أي الحوافز التي تقوم من خلالها الدولة بتحسين القدرة التنافسية للمحاصيل الاستراتيجية بالمقارنة بالمحاصيل البديلة التي تتنافس معها، بما يؤدي إلى توجيه المزارعين والتأثير بقوة في التركيب المحصولي ليقترب أو يتطابق مع ما تريده الدولة، على غرار السياسة الزراعية للدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبيةوالأنسب لظروف مصر هو الدورة الزراعية المرنة التي تقسم الأرض ثلاثة أقسام وتفرض زراعة المحاصيل الاستراتيجية في قسم منها بالتبادل مع الأقسام الأخرى كل عام.

5-   قصر ملكية الأراضي الزراعية وحق الانتفاع بها في مصر على المصريين فقط بالدستور والقانون، لأنه من غير العقلاني أو المنطقي أن تُمنح الأرض للعرب والأجانب في بلد به عدة ملايين من الفلاحين المعدمين وخريجي المدارس والكليات الزراعية العاطلين.

ثالثا: البناء على الأراضي الزراعية.. كيف نواجهه؟

أدى البناء على الأراضي الزراعية إلى تبديد نحو 2 مليون فدان من أخصب الأراضي الزراعية في مصر والعالم خلال الخمسة وثلاثين عاما الأخيرة، في ظل تساهل نظام مبارك وإسقاطه للقضايا ضد المخالفين في مواسم الانتخابات كنوع من الرشوة، وهو ما تزايد بشكل عشوائي بعد الثورة في ظل غياب أو ضعف قبضة الدولة. لكن ذلك لا ينفي أن هناك قضية حقيقية تتمثل في حاجة أبناء الريف المصري للتوسع العمراني لاستيعاب الزيادة السكانية في المحافظات الريفية وبالذات التي لا توجد لها أية منافذ على الصحراء. وهذه القضية المحورية في حياة الفلاحين، لم تتعامل معها الحكومات المتعاقبة منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين وحتى الآن بأي درجة من الجدية أو التخطيط لحلها بصورة أخلاقية وإنسانية واقتصادية، تساعد على توفير مساكن لائقة وملائمة للأعداد المتزايدة من أبناء الريف المصري الذي يسكنه نحو 57% من سكان مصر، والحفاظ في الوقت نفسه على الأرض الزراعية في وادي النيل ودلتاه وهي من أخصب وأعمق الأراضي الزراعية في العالم بأسره، وفقدانها بالبناء يعني فقدان جوهرة حقيقية لا يمكن تعويضها مطلقا.  

وقانون تجريم البناء على الأراضي الزراعية يعني عمليا حرمان الأجيال الجديدة من أبناء الريف المصري من حق السكن، خاصة وأنه لا توجد أنشطة صناعية وخدمية وزراعية تستوعبهم بصورة فعالة خارج محافظاتهم الريفية. وبالتالي فإنه لابد من التفكير بشكل منفتح لمعالجة هذه المعضلة لضمان حق السكن لأبناء الريف، والحفاظ في الوقت نفسه على الأراضي الزراعية المصرية القديمة التي كونها طمي النيل كطبقة غنية وبالغة العمق الذي يصل إلى 17 مترا في بعض الأحيان والذي يفوق الطبقات المناظرة في غالبية أحواض الأنهار الأخرى في مختلف بلدان العالم.

والحقيقة أن حل هذه القضية الاقتصاديةالاجتماعية، يمكن أن يتم من خلال عدة مسارات:

1- فرض غرامات رادعة على من قاموا بالبناء على الأراضي الزراعية بالمخالفة للقانون بغرض السكن الشخصي والأسري، على أن تستخدم حصيلتها بالكامل لتمويل بناء صناعات زراعية في المحافظات التي تمت فيها، وتمويل استصلاح أراضي صحراوية للزراعة ويتم تمليكها للفلاحين المعدمين وخريجي المدارس والكليات الزراعية. وبحث حالات البناء بغرض الإتجار لتحديد فرض غرامات أشد قسوة عليها أو إزالتها.

2-  أن تقوم الدولة بإنشاء مساكن شعبية ومتوسطة المستوى بارتفاعات عالية نسبياً وعدد أدوار أكثر من المعتاد في الوادي والدلتا وتهيئة البنية الأساسية وبالذات محطات المياه للتوافق مع هذه الارتفاعات، وذلك لتقليل التوسع الأفقي وتحجيم الاعتداء على الأرض الزراعية، والاعتماد على التوسع الرأسي في توفير المساكن للأجيال الجديدة من أبناء الريف. مع ضرورة أن يكون تصميم تلك المساكن ملائما لاحتياجات وأنماط معيشة أبناء الريف، وأن تكون أسعارها مرتبطة بالتكاليف الفعلية، بحيث تكون ملائمة للقدرات المالية لأبناء الريف الفقير، وأن يكون هناك تقسيط طويل الأجل لأسعار هذه المساكن.

3- ضرورة قيام الدولة بعمل امتدادات تنموية صناعية وزراعية وخدمية وعمرانية في المناطق الصحراوية المتاخمة لمحافظات وادي النيل في مصر الوسطى والعليا، وفي المحافظات المتاخمة للصحراء في الوجه البحري لجذب الكتل السكانية من الأجيال الجديدة في تلك المحافظات إلى تلك المناطق الصحراوية الجديدة. ويمكن للدولة أن تستعيد الأراضي المستصلحة التي نهبها بعض كبار الرأسماليين والسياسيين الفاسدين بصورة خارجة على القانون، سواء من زاوية السعر أو من زاوية تغيير النشاط المخصصة له، أو الإتجار غير المشروع فيها، وأن تعيد توزيع هذه الأرض على الفلاحين المعدمين وخريجي المدارس والكليات الزراعية من أبناء الريف بما يضمن انتقالهم واستقرارهم خارج محافظاتهم الزراعية القديمة، بما يقلل الطلب على المساكن في الوادي والدلتا، ويخفف الضغوط الرامية لتحويل جزء من الأراضي الزراعية إلى مناطق عمرانية فيهما.

4- جذب أبناء المحافظات الريفية غير المتاخمة للصحراء مثل الغربية وكفر الشيخ ودمياط والدقهلية، للعمل في مناطق التنمية الزراعية والعمرانية الجديدة التي يتم إنشائها في الصحراء بكل ما تتضمنه من مشروعات صناعية وزراعية وخدمية، من خلال تمليكهم أراضي مستصلحة فيها، وتمويل مشروعات صغيرة وتعاونية لهم في تلك المناطق.

وعندما تنفذ الدولة هذه المسارات سيمكنها تطبيق القانون بصورة صارمة وعادلة لمنع تبديد الأراضي الزراعية القديمة التي تشكل ثروة عظمى لمصر ينبغي الحفاظ عليها كأساس للتنمية الزراعية للجيل الحالي والأجيال القادمة.