كم من الجرائم ترتكب باسمك أيتها الديمقراطية!

دي أول عبارة تيجي على البال لما الواحد يبص حواليه ويتأمل الناس اللي بتتكلم باسم الديمقراطية ودفاعا عنها. الكل بقى ديمقراطي، الكل بقى بيحب الديمقراطية و يزايد بيها على الفريق التاني.

الديمقراطية هي حكم الشعب، وهي نظام حكم المفروض إنه بيتميز عن الحكم باسم الله أو حكم القلة أو حكم المستبد أو حكم النخبة.

إزاي يحكم الشعب؟ وامتى يحكم الشعب؟ دي هي الأسئلة التي بتبين مين فعلا ديمقراطي ومين بيخدع الناس بكلام عن الديمقراطية وهو مالوش دعوة بيها.

فيه ناس بتقول: “طبعا الديمقراطية حلوة مفيش كلام. لكن إحنا محتاجين وقت عشان نوصل لها.. أصل المصريين محتاجين زعيم قوي.. أصلهم لسة معندهمش ثقافة ديمقراطية.. أصلهم جهلة وزي ما شفنا قزازتين زيت وكيس سكر ممكن يخلوهم ينتخبوا حد ضد مصلحتهم.”

طبعا واضح نبرة احتقار الشعب الموجودة في الكلام ده. “إحنا” – اللي بيفهموا – نقدر نحدد مين اللي يفيد الشعب.. وإحناقررنا إن اللي بينتخبهم الشعب ناس وحشة، وعشان كده هنفرمل شوية لحد أما الشعب يتعلم (وطبعا إحنااللي هنحدد امتى هيتعلم.. وطبعا هو هيتعلم لما يبقى بينتخبنا إحنا“)

لكن السؤال اللي الواحد بيسأله للناس دي: هو انتوا نسيتوا أول تجارب ديمقراطية في العالم حصلت فين؟ مش عارفين ولا إيه إنها حصلت في دول كانت نسبة الأمية فيها أكتر من مصر النهارده؟ مش عارفين ولا إيه إنها حصلت في دول نسبة الفلاحين فيها أكبر من مصر؟

الأهم من كده بكتير إن الكذبة بتاعة الناس مش قد الديمقراطية بتخفي حقيقة خطيرة: إن كل ديمقراطية مهمة في العالم جت بنضال الشعوب ضد النخب اللي فاهمة نفسها بتفهم أكتر من الشعب. يعني في الثورة الفرنسية العظمى التي حصلت في أواخر القرن الثامن عشر كانت الجماهير الفقيرة والجاهلة هي اللي مصممة إن حق الانتخاب يبقى عام لكل الناس وميقتصرش بس على اللي معاهم ملكية أو فلوس. وكذلك الحال في الثورة الإنجليزية اللي حصلت النص الأولاني من القرن السابع عشر. ده في حين إن الناس الشيك والمتعلمة كانت عمالة تحارب ضد حق الاقتراع العام.

كل مكتسب ديمقراطي حققته الإنسانية كان اللي دافع عنه ومات على المتاريس نضالا من أجله جماهير فقيرة ومش متعلمة. هل دي صدفة؟ لا مش صدفة. مش صدفة لأن المسألة مش تعليم في المدارس. الوعي الاجتماعي والسياسي مبيجيش من التعليم في المدارس.. لأ ده بييجي أولا من معرفتك بمصلحتك، ودي معرفة بتحصل بسبب وضعك الاجتماعي بالأساس، ثم تطور هذه المعرفة وترقيتها من تجربتك في النضال من أجل تحقيق مصلحتك دي. الناس اللي محرومين من السلطة، واللي مقهورين ومفروضة عليهم كل حاجة، هم أصحاب المصلحة في إن الشعب يحكم، وهم اللي بيتحركوا (يمكن بوعي مش كامل في البداية) في اتجاه تحقيق الهدف ده، وهم اللي بيتعلموا بالتجربة إن الهدف ده بيتحقق بالطرق الفلانية والعلانية ومش غيرها.

فيه ناس بتقول أيوه إحنا مع الديمقراطية تماما ومش عايزين نأجلها زي ما غيرنا بيحاول. بس إحنا شايفين الديمقراطية هي الانتخابات وليس أكثر: “المسألة بسيطة. عشان الشعب يحكم، نعمل انتخابات كل أربع سنين، وننتخب ناس تيجي في السلطة، ولو معجبتناش الناس دي نغيرها بعد أربع سنين“.

الفكرة شكلها حلو. بس مضمونها مش حلو قوي. التجربة العملية بتقول إن في كتير من الحالات – بل في كل الحالات – لما بتحصل انتخابات (حتى في أوروبا والدول المتقدمة) اللي بييجي في السلطة ناس مبتحققش مطالب الناس. يعني اللي انتخبوا مارجريت تاتشر في بريطانيا هم الشعب، ولكن في النهاية مارجريت تاتشر زودت فقر الفقراء وقضت على حريات نقابية مهمة وعملت كتير حاجات ضد مصالح الشعب.

ممكن حد هنا ييجي ويقول: “إذن فصحيح إن الديمقراطية بتبين إن الشعب بيتحرك ضد مصالحه!! ما هو فيه دليل أهه: الناس لما بتاخد الفرصة بتروح تنتخب تاتشر ولا بوش الابن ولا بيرلسكوني ولامحمد مرسي. يبقى فعلا الناس مش فاهمة مصلحتها فين.”

لا مش صحيحصحيح طبعا إن وعي الناس مش دايما صح وتمام التمام. مفيش حاجة في الدنيا اسمها كده. بس صحيح برضه إن الناس وعيها ما بيبقاش صح ولا تمام التمام بفضل إن فيه ناس من طبقة تانية بمصالح تانية ييجوا يعلموهم إيه الصح وإيه الغلط. الناس بتطور وعيها وبتتعلم من تجربتها هي ومن مناقشاتها هي حوالين تجربتها هي.

والحقيقة إن فيه أسباب بتخلي الانتخابات التقليدية اللي بتحصل مش أحسن سياق يتطور فيه وعي الناس في الظروف العادية. يعني الانتخابات – حتى أنزه انتخابات – بتحصل في ظروف بيكون فيها اللي بيملكوا وسائل الإعلام والأموال الكتيرة، واللي بيتحكموا في المدارس والجوامع والكنايس والجامعات، ناس بينتموا للاغنيا ومصالحهم وأفكارهم. لما يكون كل اللي الناس بتسمع عنه هو مرشح الأغنيا (لأن مرشح الفقرا ما معاهوش فلوس يطبع بوسترات ولا يطلع في تليفزيونات) هتبقى فرصة مرشح الفقرا أقل (إلا في ظروف محددة ومحدودة). لما كل اللي الناس بتسمعه عبر وسائل الإعلام هو إن اللي محتاجينه دلوقتي رئيس قوي ومعاه إمكانيات كتيرة عشان يحكم البلد بيد من حديد، هيبقى فيه فرصة أقل إن الناس تعرف وتفهم إيه اللي في مصلحتها وإيه اللي ضدها. وده على فكرة بينطبق على أمريكا زي ما بينطبق على مصر بالضبط، يعني ده شيء بس بيخص دولة فقيرة وشعبها فيه أمية زي مصر.

يعني باختصار: لما تعمل انتخابات – يعني منافسة – شروط التساوي بين المتنافسين فيها معدومة، وتقول ليه الأقوى فاز، تبقى بتضحك على نفسك. مش كفاية عشان الانتخابات تبقى فعلا نزيهة إن الصندوق يبقى محصلش فيه غش، لازم كمان حظوظ المتنافسين من الأموال والدعم الإعلامي والدعم من مؤسسات الدولة والمال والأعمال تبقى واحدة. وده عمره ما بيحصل.

بس الأهم من كده حاجة تانية. الناس – ملايين الشعب الفقير – بيتعلموا مصالحهم مش في المطلق، لأ هما بيتعلموها في إطار معركتهم المباشرة ضد اللي ظلموهم. يعني العامل في شركة معينة ممكن يبقى شايف إن الدنيا تمام التمام، لحد أما يشوف بعينه إن صاحب العمل بيقلل أجرته، بادعاء إن فيه أزمة، بينما صاحب العمل نفسه عايش في قصر كبير والمنطق بيقول إن لو فيه أزمة يبقى ناخد من اللي معاه كتير عشان ندي اللي ما معاهوش أو معاه قليل مش العكس. ساعة لما بيحصل ده بيبتدي العامل يعرف إن فيه مشكلة في المجتمع، فيه حاجة غلط، وبعدين لما يتطور الأمر لحد إن العامل ده مع زمايله يعملوا إضراب، بيتعلم العامل حاجة تانية أهم، وهي إن نضاله الجماعي هو وزمايله هو الطريقة الوحيدة لتغيير الغلط ده.. وهكذا.

إذن، فالناس المنتمية للشعب بتتعلم أكتر وبتعرف مصالحها بشكل أوضح في مدرسة الصراع الاجتماعي مش في المدارس والجامعات العادية اللي مالكها الأغنيا. وإذا كانت المسألة كده يبقى لازم نتوقع إن الناس دي وعيها هيبقى أحسن في ظروف معينة مش في كل الظروف.

الانتخابات بالطريقة اللي بتحصل فيها بتعمل مشكلة هنا. الناخب بيتربط في أغلب الأحيان مش بأبناء طبقته، لا بأبناء حيه بغض النظر عن طبقتهم، وبيشوف نفسه كمواطن فرد أكتر ما بيشوف نفسه كابن طبقة معينة، يعني الانتخابات بتخللي الناس تتفتت وترتبط بفئات مصالحها مختلفة عنها، ده مش بيحصل بشكل كامل، لكن ظروف الانتخابات بتزود الاحتمال ده، وبالتالي بتزود احتمال تأثير الأفكار اللي بيصبها الإعلام السيء على الناس.

هو ده بالضبط اللي بيخلينا نقول إن الديمقراطية الشعبية هي الحل. الديمقراطية الشعبية ما بتنفيش الديمقراطية التمثيلية بالضرورة. هي إضافة وتعميق وتطوير ليها. الديمقراطية الشعبية هي الديمقراطية الأتم والأكمل.

الديمقراطية الشعبية فكرتها ببساطة إننا نرفض الاقتصار على انتخابات برلمانية ورئاسية مرة كل أربع سنين، بسبب كل الانتقادات اللي لسة قايلينها للطريقة دي في حكم الشعب. الديمقراطية الشعبية هي إننا نشجع الناس على إن الديمقراطية تتسرب في كل خلايا المجتمع من أسفل لأعلى.

ناخد أمثلة: الديمقراطية الشعبية هي إننا نشجع الطلاب على إنهم يعملوا اتحادات ديمقراطية منتخبة سنويا، ونشجع العمال إنهم مش بس يعملوا نقابات تقليدية، لأ، كمان يعملوا لجان عمالية منتخبة في كل عنبر وشركة ومصنع، ونشجع أساتذة الجامعية يعملوا نوادي ونقابات، ونشجع كل المجتمع، في الحي والقرية ومكان العمل.. الخ، إنهم يعملوا مؤسسات منتخبة بشكل مباشر تعبر عنهم وتطرح مطالبهم وتناضل من أجلها. باختصار: الديمقراطية الشعبية هي إن الشعب الفقير يعمل آلاف المؤسسات المعبرة عنه مباشرة، ويبتكر في جعل الأشكال دي أكثر قاعدية وديمقراطية وارتباطا بالناس العادية.

الديمقراطية الشعبية بتحل، على الأقل جزئيا، مشكلة إننا ننتخب حد بالطريقة السقيمة بتاعة الانتخابات التقليدية، ونلبسه أربع سنين، وده لأن وجود مؤسسات شعبية منتخبة بتمثل كل فئات وطوائف الشعب الفقير والمهمش طول الوقت، بيفرض بنضال المؤسسات ومطالباتها على الرئيس، حتى الرئيس الوحش، إنه يغير من أدائه لمصلحة الشعب. الفكرة هنا إننا مبنفترضش حسن النية في الحاكم – حتى لو جه ديمقراطيا – ونسلمه كل الأمور تسليم مفتاح. الفكرة إننا بنراقبه ونضغط عليه ونناضل ضده كل يوم من الأربع سنين اللي بيقضيهم في الحكم، عشان يبقى مضطر ينفذ اللي وعد بيه وأكتر. طول ما الشعب عنده أسلحة حركة جماعية ونضال ضد حاكمه، طول ما فرص إن الديمقراطية بتاعة الانتخابات التقليدية تصحح عيوبها تزيد، وده لأنه هتكون فيه أشكال ديمقراطية في طول وعرض المجتمع بتعبر عن الناس بشكل أكثر طبقية (وبالتالي بشكل يعبر عن مصالحها أكتر)، وبشكل أكتر ديمومة (يعني كل يوم مش انتخابات مرة كل كام سنة)، وبشكل أكثر قوة (لأنها بتقدر تعبأ الناس في مواقعهم).

طبعا فيه حلم إنساني قديم إن الديمقراطية من أسفل دي، الديمقراطية الأقرب بشكل مباشر للناس واللي ممثل الناس ما بيبقاش سيادة النائب اللي بيجي يرش الفلوس أثناء الانتخابات وبعدين يختفي، فيه حلم إنساني قديم إن الديمقراطية دي تبقى هي الأصل والأساس. في حلم إن كل أشكال الحكم تبقى نابعة منها وتحت سيطرتها. بس خلينا إحنا متواضعين، خلينا نقول بلاش ناخد كل حاجة.. يعني كل اللي إحنا عايزينه هو بس إننا نخللي الشكل الشعبي للديمقراطية رقيب وضاغط ومصحح للديمقراطية الانتخابية اللي بيسموها الديمقراطية التمثيلية.. رقيب وضاغط ومصحح مش بديل.

وعشان ما ننساش: أصل كل التفكير ده هو مبدأ بسيط جدا.. الناس هتغير نفسها بنفسها، الناس مش محتاجة أستاذ أو خوجة أو حد بيعرف كل حاجة عشان يقولها مصلحتها فين، بالعكس الخوجة ده هيتكلم عن مصالحه هو ويدعي إنها مصالح الناس.. في كلمة واحدة: اللي مؤمن بالديمقراطية فعلا يمد الخط على استقامته للآخر.. يقول إنه مش كفاية إن الشعب يحكم نفسه من خلال انتخابات بتتم مرة واحدة كل أربع سنين وبطريقة مليانة مشاكل، بل إنه لازم تبقى فيه ديمقراطية شعبية بتعبر عن نفسها من خلال مجالس ولجان ونقابات ومؤسسات منتخبة مباشرة في كل موقع ومجال.